
تُعد الوصية من أهم الأدوات القانونية التي تساعد الأفراد على تنظيم انتقال أصولهم بعد الوفاة، خصوصًا عندما تكون لديهم ممتلكات أو استثمارات في دولة لا يقيمون فيها بصفة دائمة. وفي الإمارات، لا تقتصر أهمية الوصية على المقيمين فقط، بل تمتد أيضًا إلى غير المقيمين الذين يمتلكون أصولًا داخل الدولة، مثل العقارات، الحسابات البنكية، الحصص في الشركات، المحافظ الاستثمارية، أو غيرها من الحقوق المالية.
فعندما يملك الشخص أصلًا داخل الإمارات، قد تصبح إجراءات انتقال هذا الأصل بعد الوفاة مرتبطة بالجهات القضائية أو الإدارية المختصة داخل الدولة. لذلك، فإن وجود وصية واضحة ومسجلة يمكن أن يساعد الورثة على التعامل مع التركة بطريقة أكثر تنظيمًا، ويقلل من احتمالات التأخير أو الخلاف حول المستفيدين أو طريقة التوزيع.
من هو غير المقيم الذي يحتاج إلى وصية في الإمارات؟
غير المقيم هو الشخص الذي لا يعيش في الإمارات بصفة دائمة، أو لا يحمل إقامة إماراتية، لكنه يملك أصولًا أو مصالح مالية داخل الدولة. وقد يكون هذا الشخص مستثمرًا اشترى عقارًا في دبي أو أبوظبي، أو مالكًا لحصة في شركة إماراتية، أو لديه حساب مصرفي أو استثمارات مالية داخل الإمارات.
الحاجة إلى الوصية لا ترتبط فقط بمكان إقامة الشخص، بل ترتبط أيضًا بمكان وجود أصوله. فإذا كانت هناك ممتلكات أو حسابات أو مصالح تجارية داخل الإمارات، فقد يكون من المهم إعداد وصية تغطي هذه الأصول تحديدًا، حتى لا يترك انتقالها لإجراءات قد تكون طويلة أو غير متوافقة مع رغبات المالك.
هل يمكن لغير المقيم تسجيل وصية في الإمارات؟
نعم، توجد مسارات قانونية تتيح لغير المقيمين تسجيل وصاياهم في الإمارات، لكن الشروط تختلف بحسب الجهة التي يتم التسجيل لديها، وبحسب ديانة الموصي، وجنسيته، ونوع الأصول التي يريد إدراجها في الوصية.
من أبرز الخيارات المتاحة لغير المقيمين وصايا محاكم مركز دبي المالي العالمي DIFC، وهي مخصصة لمن تنطبق عليهم شروط معينة، من بينها أن يكون الشخص غير مسلم ولم يسبق له أن كان مسلمًا، وأن يكون عمره 21 سنة أو أكثر، وأن تكون لديه أصول في الإمارات أو أطفال قُصّر تنطبق عليهم شروط الوصاية ذات الصلة. وتوضح محاكم DIFC أن تسجيل الوصية لا يتطلب أن يكون الموصي مقيمًا في الإمارات أو حاملًا لتأشيرة إماراتية، كما يمكن إتمام التسجيل افتراضيًا عبر الاتصال المرئي من أي مكان في العالم.
كما توفر أبوظبي مسارًا للوصايا المدنية من خلال دائرة القضاء، حيث توضح محكمة الأسرة المدنية في أبوظبي أن الوصية المدنية يجب أن تكون مسجلة حتى يتم الاعتراف بها قانونيًا، وأن هناك نموذجًا موحدًا للوصية باللغتين العربية والإنجليزية، مع إمكانية الاستعانة بمحامٍ متخصص عند الحاجة. وتذكر الصفحة الرسمية أيضًا أن غير المواطن الإماراتي يمكنه تسجيل وصية لدى مكتب الوصايا المدنية في أبوظبي بغض النظر عن ديانته.
لماذا يحتاج غير المقيم إلى وصية داخل الإمارات؟
قد يظن بعض مالكي الأصول أن الوصية المحررة في بلدهم الأصلي تكفي وحدها للتعامل مع جميع ممتلكاتهم في الخارج. وفي بعض الحالات، قد تكون الوصية الأجنبية قابلة للاستخدام، لكنها غالبًا قد تحتاج إلى ترجمة قانونية، وتصديقات، وإجراءات إثبات أو اعتراف أمام الجهات المختصة، وقد لا تكون مصممة بطريقة تراعي متطلبات التنفيذ داخل الإمارات.
لذلك، فإن إعداد وصية تغطي الأصول الموجودة في الإمارات يمكن أن يجعل التعامل مع هذه الأصول أكثر وضوحًا. فالوصية المسجلة تساعد على تحديد المستفيدين، وتعيين منفذ للوصية، وبيان طريقة توزيع الأصول، وتقليل احتمالات التعارض بين الورثة أو بين أكثر من وثيقة قانونية في أكثر من دولة.
ماذا يحدث عند عدم وجود وصية؟
عدم وجود وصية لا يعني ضياع الأصول، لكنه قد يؤدي إلى إجراءات أطول وأكثر تعقيدًا. وفي هذه الحالة، قد تحتاج الأسرة أو الورثة إلى فتح ملف تركة أو ميراث أمام الجهة المختصة، وتقديم المستندات المطلوبة لإثبات الوفاة والورثة والملكية، ثم انتظار صدور القرارات اللازمة للتعامل مع الأصول.
كما أن قواعد التوزيع قد تختلف بحسب عدة عوامل، منها ديانة المتوفى، وجنسيته، ومكان وجود الأصول، والجهة القضائية المختصة، وما إذا كانت هناك وصية مسجلة من عدمه. فعلى سبيل المثال، توضح محكمة الأسرة المدنية في أبوظبي أن عدم وجود وصية مسجلة قد يؤدي إلى تأخير في توزيع التركة وقد يسبب خلافات بين أفراد العائلة، كما تضع قواعد معينة للتوزيع في حالات عدم وجود وصية ضمن نطاقها القانوني.
ولهذا السبب، تكون الوصية وسيلة مهمة لتقليل الغموض، خصوصًا عندما يكون الورثة مقيمين في دول مختلفة أو عندما تشمل التركة عقارات أو شركات أو حسابات مصرفية داخل الإمارات.
أنواع الوصايا التي قد تناسب غير المقيمين
تختلف الوصية المناسبة بحسب طبيعة الأصول والغرض من إعدادها. فقد يحتاج بعض الأشخاص إلى وصية تغطي جميع أصولهم داخل الإمارات، بينما يحتاج آخرون إلى وصية محدودة لعقار واحد أو أكثر، أو لحسابات مصرفية، أو لحصص في شركة.
في نظام DIFC، توجد عدة أنواع من الوصايا، منها الوصية الكاملة التي تغطي الأموال المنقولة وغير المنقولة داخل الإمارات، ووصية العقار التي تغطي عددًا محددًا من العقارات داخل الدولة، ووصية الأصول المالية التي تغطي حسابات بنكية أو حسابات وساطة، ووصية أصحاب الأعمال التي تتعلق بالحصص في الشركات، إضافة إلى وصية الوصاية على الأطفال القُصّر في الحالات التي ينطبق عليها هذا النوع من الوصايا.
أما في أبوظبي، فتتيح دائرة القضاء نموذجًا للوصية المدنية، ويمكن تقديم طلب التسجيل عبر القنوات الرسمية، مع مراجعة الطلب وتوثيق الوصية وفق الإجراءات المعتمدة. وتوضح دائرة القضاء أن إجراءات تسجيل الوصية تشمل تقديم الطلب عبر الموقع، ومراجعته من الموظف المختص، ثم حجز موعد لتوثيق الوصية عبر الاتصال المرئي.
ما الذي يجب أن تتضمنه وصية غير المقيم؟
ينبغي أن تكون الوصية واضحة ومحددة، وأن تتضمن بيانات الموصي بشكل دقيق، وبيان الأصول التي تشملها الوصية، وأسماء المستفيدين، ونسب التوزيع، واسم منفذ الوصية، وأي تعليمات خاصة تتعلق بإدارة الأصول أو نقلها بعد الوفاة.
وفي حال وجود أكثر من وصية في أكثر من دولة، يجب الانتباه إلى عدم وجود تعارض بينها. فقد تكون لدى الشخص وصية في بلده الأصلي تغطي أصوله هناك، ثم وصية منفصلة تغطي أصوله في الإمارات. في هذه الحالة، من المهم أن تكون الصياغة دقيقة حتى لا تلغي إحدى الوصيتين الأخرى بطريق الخطأ، أو تخلق غموضًا حول نطاق كل وصية.
كما يجب مراعاة وضع الأصول المشتركة، والحسابات البنكية المشتركة، والحصص في الشركات، والعقارات المرهونة أو المؤجرة، لأن كل نوع من هذه الأصول قد يحتاج إلى معالجة قانونية مختلفة عند إعداد الوصية.
هل يمكن تسجيل الوصية عن بُعد؟
في كثير من الحالات، يمكن لغير المقيم الاستفادة من إجراءات التسجيل عن بُعد، خصوصًا في مسار DIFC، حيث توضح محاكم DIFC أن جميع وصاياها يمكن تسجيلها أو تعديلها عبر اتصال مرئي، وأن الموصي والشهود يمكنهم حضور موعد التسجيل افتراضيًا من أي مكان في العالم دون الحاجة إلى السفر إلى الإمارات لتوقيع الوصية.
كما توضح دائرة القضاء في أبوظبي أن إجراءات تسجيل الوصية تشمل حجز موعد لتوثيق الوصية عبر مكالمة فيديو، وذلك ضمن خطوات الطلب المنشورة في الأسئلة الشائعة الرسمية.
خطوات عملية قبل إعداد الوصية
قبل البدء في إعداد الوصية، يُنصح غير المقيم بحصر أصوله داخل الإمارات بدقة، بما في ذلك العقارات، الحسابات المصرفية، الاستثمارات، الحصص التجارية، وأي حقوق مالية أخرى. بعد ذلك، يجب تحديد ما إذا كانت الوصية ستغطي أصول الإمارات فقط، أم ستكون جزءًا من خطة أوسع تشمل أصولًا في أكثر من دولة.
ثم يجب اختيار جهة التسجيل المناسبة، والتأكد من شروطها، وتجهيز المستندات المطلوبة مثل جواز السفر، ومستندات الملكية، وبيانات المستفيدين والمنفذ. ومن الأفضل أيضًا مراجعة أي وصايا أو ترتيبات قانونية قائمة في بلد الموصي الأصلي، حتى تكون جميع الوثائق منسجمة مع بعضها.
أهمية الاستعانة بمحامٍ متخصص
رغم أن بعض الجهات توفر نماذج للوصايا، فإن الاستعانة بمحامٍ أو مستشار متخصص في الوصايا والتركات تظل خطوة مهمة، خصوصًا في الحالات التي تشمل أصولًا كبيرة، أو ورثة في أكثر من دولة، أو شركات، أو أطفالًا قُصّرًا، أو وصايا متعددة في أكثر من اختصاص قضائي.
المحامي المتخصص يساعد في اختيار المسار الأنسب، وصياغة الوصية بشكل واضح، وتجنب التعارض بين الوثائق، والتأكد من أن الوصية قابلة للتنفيذ قدر الإمكان أمام الجهات المختصة.
خاتمة
إن إعداد وصية لغير المقيمين في الإمارات ليس إجراءً ثانويًا، بل خطوة مهمة لحماية الأصول وتنظيم انتقالها إلى المستفيدين بطريقة واضحة. فوجود عقار أو حساب بنكي أو حصة في شركة داخل الإمارات قد يجعل من الضروري وضع خطة قانونية دقيقة للتعامل مع هذه الأصول بعد الوفاة.
وتساعد الوصية المسجلة على تقليل التأخير، وتوضيح رغبات الموصي، وتسهيل مهمة الورثة والمنفذ، خصوصًا عندما تكون العائلة أو الأصول موزعة بين أكثر من دولة. لذلك، فإن غير المقيم الذي يملك أصولًا في الإمارات ينبغي أن يراجع خيارات تسجيل الوصية المتاحة له، وأن يحصل على استشارة قانونية متخصصة قبل اتخاذ القرار النهائي.
في حال الحاجة لأي استشارة قانونية يمكنكم التواصل مع مكتب الصًّفر ومُشارِكوه للمحاماة والاستشارات القانونية للحصول على الدعم القانوني المتخصص. تواصلوا معنا عبر المعلومات التالية: 0527583267 - reception@alsafarpartners.com - www.alsafarpartners.com
Written By:
Mrs. Naima Labgaa - Head of the Family Law department at Al Safar and Partners Law Firm.